الأربعاء، 30 يناير 2013

كلمةٌ في الاستغفار ..

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله  وبعد :

فالاستغفار عبادة عظيمةٌ  ،  وقربةٌ لله تعالى جليلة  ، وقد كان رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام يُكثر من الاستغفار ،  فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً "  أخرجه البخاري

عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: " مَا أَصْبَحْتُ غَدَاةً قَطُّ إِلَّا اسْتَغْفَرْتُ اللهَ فِيهَا مِائَةَ مَرَّةٍ "

أخرجه النسائي في الكبرى وصححه الألباني كما في الصحيحة

 

بل كَانَ ُيُعَدُّ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ "

أخرجه الترمذي وصححه الألباني

 

هذا حال رسول الله عليه الصلاة والسلام يستغفر ربه كثيرا ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما نقول عن حالنا وضعفنا وتقصيرنا !؟ نسأل الله العفو والعافية

 

والمراد من الاستغفار طلب المغفرة وهي وقاية  شرِّ الذنوب مع سترها

[  جامع العلوم والحكم ص : 394   ]

ولو تأمل الإنسان في حاله , لوجد نفسه في نعمة يحتاج فيها إلى شكر , وفي ذنب يحتاج فيه إلى استغفار ، إذ أنَّ طبيعة البشر الوقوع في الخطأ والإثم والتقصر ، وقد قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ "

أخرجه الترمذي وحسنه الألباني

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : " والذنب للعبد كأنه أمر حتم ، فالكيِّس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات "

[ مجموع الفتاوى : 10 / 655 ]

 

فالعاقل اللبيب كلما أذنب استغفر ربه تعالى وتاب إليه وعمل صالحا وأناب ، امتثالا لأمر ربه تعالى  : "  وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ، واتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم  ، فلا يتمادى مع الذنوب والآثام فيموت قلبه ويهلك .

 

ثمُّ ليُعلم أنَّ للاستغفار فضائل وثمرات عظيمة وعديدة منها :

1 ـ تكفير الذنوب و الخطايا  .

قال الله تعالى : " وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا " .

وجاء في الحديث القدسي : " يا ابن آدم ! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي "  

أخرجه الترمذي وصححه الألباني

وخاصةً إن حرص أن يقول : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، فقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ "

 أخرجه الترمذي وصححه الألباني

قال أبو نعيم الأصبهاني ـ رحمه الله ـ : ( هذا يدل على أن بعض الكبائر تغفر ببعض العمل الصالح ، وضابطه الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكما في نفس ولا مال ، ووجه الدلالة منه أنه مثل بالفرار من الزحف وهو من الكبائر ، فدل على أن ما كان مثله أو دونه يغفر إذا كان مثل الفرار من الزحف ، فإنه لا يوجب على مرتكبه حكما في نفس ولا مال ) .

[ الفتح : 11 / 98 ]

 

2 ـ الاستغفار سبب لنزول الأمطار وإمداد العبد بالأموال والأولاد .

قال تعالى على لسان نوح عليه السلام : " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا  " .

جاء في الأثر عن الحسن البصري رحمه الله: " أنَّ رجلاً شكى إليه الجدبَ، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، وشكى إليه آخر الفقرَ، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، وشكى إليه آخر جفاف بُستانه، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، وشكى إليه آخر عدم الولد، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، ثمَّ تلا الآية السابقة .

 

3 ـ سبب لدفع البلاء و العذاب  .

قال الله تعالى : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " .

رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما  أنه قال : " إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم: فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم "

[ تفسير ابن كثير : 4 / 49 ]

 

 

4 ـ المتاع الحسن في الدنيا من حياة طيبة وأمن وأمان والاستقرار و راحة بال .

قال الله تعالى : " وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ " .

 

5 ـ سبب للأجر العظيم والثواب الجزيل .

عن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طوبى لِمَن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً "

 أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني

عن الزبير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن أحبَّ أن تسرَّه صحيفتُه فليُكثر فيها من الاستغفار "

حسنه الألباني كما في الصحيحة .

 

 

 

و الاستغفار إما أن يكون بطلب المغفرة كقول : اللهم اغفر لي  ، وإما بفعل ما تكون به المغفرة من الأعمال الصالحة كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "  مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ " أخرجه البخاري

 

وكما أنَّ الاستغفار يكون عن النِّفس ،  فإنه يكون عن الغير أيضا  كما قال الله تعالى : " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ "

وقد جاء فضل عظيم وكبير لمن استغفر للمؤمنين والمؤمنات ، فقد قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً "  حسنه الألباني كما في صحيح الجامع

إذا كان هذا الفضل لعموم المؤمنين والمؤمنات فما بالكم لو استغفر أحدنا لوالديه فلا شكَّ أنَّ الأجر أعظم ، وقد جاء في الحديث الصحيح أنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: باستغفار ولدك لَك ".

أخرجه أحمد وصححه الألباني

 

واختم بنقلين مفيدين مهمين لعالمين جليلين :

 

1 ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( والذنوب يزول موجبها بأشياء :  أحدها  : التوبة . والثاني : الاستغفار من غير توبة . فإن الله تعالى قد يغفر له إجابة لدعائه وإن لم يتب فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال )  .

[ مجموع الفتاوى : 10 / 699 ]

 

2 ـ  قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ :  ( من أسباب المغفرة : التوحيدُ ، وهو السببُ الأعظم ، فمن فقده ، فَقَدَ المغفرة ، ومن جاء به ، فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة ، قال تعالى : " إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ "  ) .

[ جامع العلوم والحكم ص : 398 ]

 

وقد جاء في الحديث القدسي الصحيح : " يا ابنَ آدم إنَّك لو أَتَيتَني بِقُرابِ الأرضِ خَطايا ، ثمَّ لَقِيتَني لا تُشركُ بي شَيئاً ، لأتيتُكَ بِقُرابها مغفرةً "

 أخرجه الترمذي وصححه الألباني

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل التوحيد وأن يغفر لنا ولولدينا ولجميع المسلمين والمسلمات

 

والله الموفق

 

 

__________________________________

المراجع :

تفسير ابن كثير ، جامع العلوم والحكم ، مجموع الفتاوى ، فتح الباري ، شرح الأربعين للعثيمين ، فقه الأدعية للبدر ، الاستغفار للعنزي  .