بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فإنَّ دين الإسلام جمعنا على المحبة والائتلاف بعد الفرفة والاختلاف ، قال تعالى : " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا "
وإنَّ من الأصول العظيمة التي قررتها شريعتنا الغراء ، المودة والإخاء ونبذ العداوة والبغضاء حتى نكونَ على قلب رجل واحد .
يقول نبينا صلى الله عليه وسلم : " مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم ، مَثلُ الجسدِ . إذا اشتكَى منه عضوٌ ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى " أخرجه مسلم
وجاء الحديث بلفظ آخر : " المسلمون كرجُلٍ واحدٍ . إن اشتكَى عينَه ، اشتكَى كلُّه . وإن اشتكَى رأسَه ، اشتكَى كلُّه " أخرجه مسلم أيضاً .
إنَّ الاجتماع والمحبة والائتلاف صلاح للدين والدنيا ، والفرقة والعداوة والبغضاء فساد للدين والدنيا ؛ ولذا قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : " إنَّ المُؤمِنَ للمُؤْمِنِ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا . وشَبَّكَ أصابِعَهُ " أخرجه البخاري ومسلم
ومن شفقة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أنْ حذر أمته من أسباب العداوة والبغضاء ، فعن أنس رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم : " لا تحاسَدوا ، ولا تباغَضوا ، ولا تقاطَعوا ، وَكونوا عبادَ اللَّهِ ! إخوانًا كما أمرَكُمُ اللَّهُ " أخرجه مسلم
فالنهي عن التباغض نهيٌ عن كل أمر يسبب العداوة والبغضاء ، وسأذكر بعض الأمور التي تجلب التباغض بين عباد الله المسلمين :
أولاً : الحسد
وهو : تمني زوال نعمة الله تعالى على الغير من مالٍ أو منصبٍ ونحو ذلك
وقيل هو : كراهة ما أنعم الله به على الغير وإن لم يتمن الزوال .
والحسد من خصال اليهود، كما قال تعالى : "
أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله .. "
فليترفع المسلم من أن يتشبه بأعداء الله اليهود وليكن قلبه سليما اتجاه إخوانه ؛ فإنَّ ترك الحسد من أسباب استمرار الخير كما قال صلى الله عليه وسلم : " لا يزالُ النَّاسُ بخيرٍ ؛ ما لم يتحاسَدوا " أخرجه الطبراني وحسنه الألباني
والحاسد لا يضر إلا نفسه حيث إنه اعترض على قدر الله تعالى ، والحسد لا يمنع نعم الله على عباده ، فليق الله المسلم ولا يحسد إخوانه، بل يدعو لهم بالبركة والخير
قال الشاعر :
اصبر على حسد الحسو
د ؛ فإنَّ صبرك قاتلُهْ
كالنَّار تأكل بعضها
إنْ لم تجد ما تأكلُهْ
ثانياً : النميمة
و هي : نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد ،وقد جاء الوعيد الشديد في التحذير من هذه الصفة ، يقول النَّبي صلى الله عليه وسلم : " لا يدخلُ الجنَّةَ قتَّاتٌ " متفق عليه أي : نمام
وفي خطورة أثرها يقول يحيى بن أبي كثير : " يفسد النمام في ساعة مالا يفسد الساحر في سنة " . [ تهذيب الحلية : ١ / ٤٥٦ ]
صاحب النميمة ليس له أمان كما في الشعر :
من نمَّ في الناس لم تؤمن عقاربه
على الصديق ، ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحدٌ
من أين جاء ، ولا من أين يأتيه ؟
ثالثاً : الغيبة
وقد بين معناها النبي صلى الله عليه وسلم
حين قال لأصحابه رضي الله تعالى عنهم : "أتدرون ما الغيبةُ " ؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ . قال : " ذكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ "، قيل : أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ ؟ قال : " إن كان فيه ما تقولُ ، فقد اغتبتَه . وإن لم يكنْ فيه ، فقد بهتَّه " أخرجه مسلم
وقد جاء الوعيد الشديد من التحذير من صفة الغيبة ، يقول النَّبي صلى الله عليه وسلم : " لما عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاسٍ يخمشون بها وجوهَهم وصدورَهم . قلتُ : من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذين يأكلون لحومَ الناسِ ويقعونَ في أعراضِهم " أخرجه أبو داود وصححه الألباني
قيل للحسن البصري - رحمه الله - : إنَّ فلانا قد اغتابك ، فأهدى إليه الحسن طبقاً من رُطبٍ ، فأتاه الرجل ، وقال له : اغتبتك فأهديت إليَّ ! فقال له الحسن : أهديت إليَّ حسناتك ، فأردتُ أن أُكافِئكَ . [ تهذيب المستطرف ص : ٧٣ ]
والغيبة والنميمة صفتان ذميمتان تساهل فيهما كثير من النَّاس مع أنَّ إثمها عظيم ، وضررهما على الناس كبير .
وليتذكر المسلم أنَّ حفظ اللسان عن الكلام السيء سبب لدخول الجنة ، كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : "من يضمَنْ لي ما بين لَحيَيْه وما بين رِجلَيْه أضمنُ له الجنَّةَ " أخرجه البخاري ، وأن عِرض أخيه المسلم حرام كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : " كلُّ المسلمِ علَى المسلمِ حرامٌ ، دمُهُ ، ومالُهُ ، وَعِرْضُهُ " أخرجه مسلم ، بل إنَّ ذبك عن عرض أخيك سبب للنجاة من النَّار ، فقد قال النَّبي صلى الله عليه وسلم : " مَن ردَّ عن عِرضِ أخيه ردَّ اللهُ عن وجهِه النَّارَ يومَ القيامةِ " أخرجه الترمذي وصححه الألباني
رابعًا : الشحُّ
وهو صفة ذميمة من اتصف بها كان سببا لنشر البغضاء والعداوة بين المسلمين ؛ لأنه يمنع الحق الواجب الذي عليه من نفقة وزكاة ، وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه الصفة فقال : " إيَّاكم والشُّحَّ فإنَّما هلَكَ من كانَ قبلَكم بالشُّحِّ أمرَهم بالبُخلِ فبخِلوا وأمرَهم بالقطيعةِ فقَطعوا وأمرَهم بالفُجورِ ففجروا "
أخرجه أبو داود وصححه الألباني
إياك أخي ثم إياك أن تكون شحيحاً على إخوانك بمالك وجاهك وأخلاقك ؛ لأن الشح والإيمان لا يجتمعان كما قال صلى الله عليه وسلم : " و لا يجتمعُ الشُّحُّ و الإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا " أخرجه النسائي وصححه الألباني
وليُعلم أنَّ ترك الشح سبب للفلاح في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه : " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " .
والبخل عند العرب من أقبح الصفات ، وأسوأ الأخلاق ومن شعرهم :
أرى الناس إخوان الكريم وما أرى ••
بخيلاً له في العالمين خليلُ
خامساً : سوء الظن
هو اتهام الآخرين والشك فيهم بغير وجه حق ، وهي صفة ذميمة تجلب البغضاء والعداوة
وحذر منها رسولنا صلى الله عليه وسلم فقال : " إيَّاكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أكذبُ الحديثِ " أخرجه مسلم
وعلى العاقل أن يشتغل بإصلاح عيوب نفسه بدلا من أن يظن بإخوانه المسلمين ظن السوء .
سادساً: الفخر بالأحساب وطعن في الأنساب
من الناس من يحتقر عباد الله ، ويترفع عليهم بنسبه أو بحسبه ، مما يسبب العداوة وينشر البغضاء وهذا مما ينافي الإخوة الإيمانية كما قال سبحانه : " إنما المؤمنون إخوة " .
والفخر كل الفخر هو بالتقوى وحُسن العمل ، قال الله تعالى : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم "
الميزان الحقيقي هو الإيمان والعمل الصالح
في الحديث : " من بطأ به عمله لم يُسرع به نسبه " أخرجه مسلم
ومن خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، ما ثبت في هذا الحديث الصحيح : "يا أيها الناسُ ! إنَّ ربَّكم واحدٌ ، و إنَّ أباكم واحدٌ ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، و لا لعجميٍّ على عربيٍّ ، و لا لأحمرَ على أسودَ ، و لا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكُم ، ألا هل بلَّغتُ ؟" قالوا : بلى يا رسولَ اللهِ قال : " فيُبَلِّغُ الشاهدُ الغائبَ " أخرجه البيهقي وصححه الألباني
وليُعلم أنَّ الفخر بالحسب الطعن في النسب من عادات أهل الجاهلية وإنَّ المسلم مأمور بعدم التشبه بالكفار ، ثبت في الحديث الصحيح أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال :
" أربعٌ في أمَّتي من أمرِ الجاهليَّةِ ، لا يتركونهنَّ : الفخرُ في الأحسابِ ، والطَّعنُ في الأنسابِ ، والاستسقاءُ بالنُّجومِ ، والنِّياحةُ " أخرجه مسلم
سابعاً : الكبر
وهو سبب لرد الحق وإزدراء الناس واحتقارهم
عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كبر! فقال رجل: إنَّ الرَّجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: إنَّ اللَه جميل يحبُّ الجمال، الكبر: بطر الحقِّ وغمط النَّاس " أخرجه مسلم
من جميل ما يُذكر في ذمِّ الكبر قول الأحنف بن قيس - رحمه الله - : " عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين " .
ثامناً : الاستهزاء والسخرية
قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ... "
كيف يطيب لك أن تسخر بإخوانك المسلمين ولعل أحدهم أفضل منك بدرجات وصاحب علم وعبادة وطاعة ؟!
ومن مداخل الشيطان أن يجعل المسلم يستهزئ بأخيه بسم المزاح والمرح ، وهذا مسلك خاطىء يجر إلى الشحناء والبغضاء ؛ فإنَّ المزاح الممدوح ما كان في حدود المشروع وبقدر وإلا أفسد كما أنَّ الملح إن زاد في الطعام أفسده .
تاسعاً : البدع
إنَّ الابتعاد عن السنة وركوب البدع ومحدثات الأمور سبب لحصول البغضاء والتفرق بين المسلمين ، وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : " فإنهُ من يعِشْ منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ ، عَضُّوا عليها بالنَّواجذِ . وإياكم ومحدَثاتِ الأمورِ ؛ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ " صححه الألباني
فمن أمثلة البدع بما يسمى اليوم : بالمظاهرات ، فهذه بدعة عصرية حذر منها أهل العلم وبينوا أثرها السيء على المجتمع المسلم تأمل واقع بعض الدول التي ظهرت فيها هذه البدعة كيف تفرقوا واختلفوا وانتشرت بينهم العداوة والبغضاء .
وختاماً : ليُعلم أن التباغض بغير وجه حق وإنما لحظوظ النفس وأمور الدنيا سبب لتأخر المغفرة ، قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : " تُفتحُ أبوابُ الجنةِ يومُ الاثنينِ و يومُ الخميسِ ، فيُغفرُ فيها لكلِّ عبدٍ لا يُشركُ باللهِ شيئًا ؛ إلا رجلًا كانتْ بينَه و بين أخيه شحناءُ ، فيُقالُ : أَنْظِروا هذينِ حتى يصْطَلحا " أخرجه مسلم
وهذا ما تيسر والله الموفق