بسم الله الرحمن الرحيم
يعمد بعض الأزواج إلى الاعتماد في تربية الأولاد ذكورا وإناثا على الزوجة ، بحيث يرى أنه لا دور له في ذلك سوى توفير المأكل والمشرب ، ويغفل عن الأهم وهي : التربية الإيمانية ، فيحسن أن يكون للزوجة حوارا هادفا معه فيه المحبة والشفقة والحكمة محفوف بالرفق ولين الجانب ، صح في الحديث : " فإنَّ الله إذا أرادَ بأهْلِ بيْتٍ خَيْراً أدْخَلَ عليهمُ الرفْقَ" [ أخرجه أحمد وصححه الألباني ] ، ومن الخطوات التي تسلك في توعية الزوج في ضرورة تربية الأولاد ، ما يأتي :
أولا : تنبيه الزوج على الأمانة و المسؤولية الواجبة عليه اتجاه الأسرة والأولاد وخطورة ترك ذلك .
قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] ، وهذه الأمر ظاهر في قول النبي ﷺ : " كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه ... والرَّجلُ راعي أهلِ بيتِه وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بَعْلِها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، في الحديث : بيان أن المسؤولية على الزوج والزوجة ، فمن لم يهتم بذلك لم يف بهذه الأمر الملقى على كل من الزوج والزوجة ، وناله ما قاله النبي ﷺ : " ما مِنْ عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً ، يموتُ يومَ يموتُ ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ ، إلَّا حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، ومن غشهم عدم تربيتهم والاهتمام بصلاحهم .
ثانيا : تذكير الزوج بالأثر المترتب على صلاح الأولاد في الدنيا والآخرة
يقول الله تعالى : {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } [الفرقان: 74] يعني : أولادا أبرارا أتقياء، يقولون اجعلهم صالحين فتقر أعيننا بذلك ، فليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل. [ تفسير البغوي: 6 /99 ] ، وجاء في الحديث أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له". [ أخرجه مسلم ] ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضا: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: باستغفار ولدك لَك ". [ أخرجه أحمد وصححه الألباني ] ، وجاء في فضل تربية البنات قوله صلى الله عليه وسلم : " "مَنِ ابْتُلِي مِنْ هذه البناتِ بشَيْءٍ فأحْسنَ إليْهِنَّ؛ كُنّ لَهُ سِتْراً مِنَ النارِ". [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، فهل الزوج يستغني عن هذا الفضل العظيم ويكل التربية للزوجة ؟! ، لا أظن زوج عاقل يستغني عن هذا الفضل العظيم ؛ فإذن عليه يتعاون مع زوجته لينال الأجور والسمعة الطبية وقرة العين ، ولا يتأتى هذا إلا ببذل الجهد منهما في حسن التربية مع دعاء الله تعالى لهدايتهم وصلاحهم .
ثالثا: أن يعلم الزوج أن النصوص الشرعية أطلقت الأمر في التربية ولم تقييد الزوجة .
قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]
قال قتادة ـ رحمه الله ـ : يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله، ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية، قَدَعتَهم عنها وزجرتهم عنها. [ تفسير ابن كثير : 14 / 59 ]
قال الألوسي ـ رحمه الله ـ عند هذه الآية : " واستدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس لأن الولد بعض من أبيه " [روح المعاني : 14 / 351 ]
وثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ سِنِين وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ " . [ أخرجه أبوداود وصححه الألباني ] ، وقرر أهل العلم أنّ أمر بالصلاة للأولاد ذكروا وإناثا للأولياء ، مما يعني أن يتجه الخطاب للأب والأم . [ انظر التنوير شرح جامع الصغير للصنعاني : 9 / 550 ]
قال ابن عثيمين ـ رحمه الله عند هذا الحديث : " وهذا من حقوق الأولاد على آبائهم أن يأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنوات " [ شرح رياض الصالحين : 3 / 173 ]
ويقرر هذا المعنى بأن التربية يتحمله الأب والأم ، ما ثبت في الصحيحين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ "
قال : " أبواه " أي : الأب والأم .
فهنا يظهر أنّ النصوص لم تقييد الأمر في التربية على الزوجة فحسب بل تشمل الزوج بالدرجة الأولى ؛ لأن القوامة بيده ، وتحت نظره ومسؤوليته .
رابعا : بيان عناية السلف الصالح في تربية الأولاد التربية الحسنة وتأكيد هذا الأمر العلماء .
ويظهر ذلك من عدة أخبار وآثار في سيرهم ومروياتهم في بطون الكتب ، فمن ذلك ما يأتي :
1 ـ قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنهم : أنه قال: " حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير فإنما الخير عادة " [ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ]
2 ـ قال ابن عمر رضي الله عنهما ، لرجل : " أدب ابنك، فإنك مسئول عن ولدك، ماذا أدبته؟ وماذا علمته، وإنه مسئول عن برك وطواعيته لك " [ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ]
3 ـ قال عكرمة ـ رحمه الله ، قال: " كان ابن عباس رضي الله عنهما ، يجعل في رجلي الكبل [ القيد ] ، ويعلمني القرآن والسنن " [ أخرجه أبو نعيم في الحلية ]
4 ـ قال عن ابن سيرين ـ رحمه الله ـ ، قال: كان يقال: " لا تكرم صديقك فيما يشق عليه "، قال: وكان يقال: " أكرم ولدك وأحسن أدبه " [ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ]
5 ـ قال سُفْيَانُ الثوري ـ رحمه الله ـ : " كَانَ يُقَالُ: مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُحْسِنَ أَدَبَهُ " [ أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال ]
والآثار في هذا المقام كثيرة ، وهذا نزر يسير يبين عناية السلف في تربية الأولاد ، ولم يكلوا الأمر على الأمهات والزوجات فحسب ، بل كان للأب والزوج دور في ذلك ؛ فلنقتد بهم ، ولنسر على طريقهم ؛ فإنّ ربنا يقول : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، وهذا ما قرره العلماء في مصنفاتهم وفتاويهم ، ومن ذلك قول ابن القيم ـ رحمه الله ـ : " فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه ، وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة ، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه ، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ، ولم ينفعوا آباءهم كبارا " [ تحفة المولود ص : 337 ] . وقال أيضا : " قال بعض أهل العلم ، إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده ؛ فإنه كما أن للأب على أبنه حقا ، فللابن على أبيه حق " [ تحفة المولود : 336 ] ، وذكر السعدي في كلام نفيس للغاية مبينا فيه أهمية تربية الأولاد : " أولى الناس ببرِّك، وأحقهم بمعروفك: أولادُك؛ فإنهم أمانات جعلهم الله عندك، و وصاك بتربيتهم تربية صالحة لأبدانهم وقلوبهم، وكل ما فعلته معهم من هذه الأمور، دقيقها وجليلها، فإنه من أداء الواجب عليك، ومن أفضل ما يقربك إلى الله، فاجتهد في ذلك، واحتسبه عند الله، فكما أنك إذا أطعمتهم وكسوتهم وقمت بتربية أبدانهم، فأنت قائم بالحق مأجور. فكذلك - بل أعظم من ذلك - إذا قمت بتربية قلوبهم وأرواحهم بالعلوم النافعة، والمعارف الصادقة، والتوجيه للأخلاق الحميدة، والتحذير من ضدها " بهجة قلوب الأبرار ص : 138 ]
هذا والله أعلم