الأربعاء، 18 فبراير 2015

من حقوق ولي الأمر ( الحكام ) ..

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : 

فإنَّ ديننا الإسلام شامل كامل لكل شيء يحقق السعادة والاستقرار للفرد والمجتمع ، وكل ما يحتاجه المرء في دينه ودنياه ، ومما جاء به الشرع المطهر بيان حق ولي الأمر المسلم ، وقد بينت الشريعة هذا الأمر بيانا واضحاً لا لَبس فيه ولا خفاء لمن سلم من الهوى والبدع المضلة .
لا يُستغرب أنَّ الشرع المطهر بين للأمة حقوق ولاة الأمر ؛ فإنَّ بيان ذلك مما تتحقق به المصالح وتدفع به  المفاسد على الأمة الإسلامية  ، و كما أن الشريعة بينت حق الوالدين والأرحام والأصدقاء وغير ذلك ، فكذلك حقوق الولاة بينتها بصورة واضحةٍ جليةٍ ، وقد قال الله تعالى : " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " .

إنَّ مما هو معلوم بالدين بالضرورة أنه لا دين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمام ولا إمام إلا بالسمع والطاعة ، وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأولي الأمر منكم " . 
ومن أعظم أسباب تحقق الأمن في البلاد وجود ولي الأمر ولو كان فاجراً فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا أَمِيرٌ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ " قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا الْبَرُّ فَكَيْفَ بِالْفَاجِرِ؟ قَالَ: " إِنَّ الْفَاجِرَ يُؤَمِّنُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ السُّبُلَ، وَيُجَاهِدُ بِهِ الْعَدُوَّ، وَيَجْبِي بِهِ الْفَيْءَ، وَتُقَامُ بِهِ الْحُدُودُ، وَيُحَجُّ بِهِ الْبَيْتُ، وَيَعْبُدُ اللهَ فِيهِ الْمُسْلِمُ آمِنًا حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ "
أخرجه البيهقي كما في شعب الإيمان 

وقد قال بعض أهل العلم : ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان.
والواقع لبعض الدول يبين صدق هذه المقولة كيف كان حالهم مع وجود ولي الأمر وكيف أصبح حالها بعد ذهاب ولي أمرها ؛ فوجود ولي الأمر ضرورة شرعية ودنيوية  .

قد ذكر أهل العلم جملة من حقوق ولي الأمر على المسلم ومنها ما يأتي : 

١- اعتقاد إمامتهم وإمرتهم ولو كان هذا الولي متغلبا 
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من خلع يدًا من طاعةٍ ، لقيَ اللهَ يومَ القيامةِ ، لا حُجَّةَ له . ومن مات وليس في عُنُقِه بَيعةٌ ، مات مِيتةً جاهليةً " أخرجه مسلم ؛ وذلك لأن أهل الجاهلية لم يكن في ذمتهم بيعة لأحد فأمرهم فوضى القوي يأكل الضعيف ، وديننا جاء بمخالفة عاداتهم . وقد أجمع أهل العلم على وجوب بيعة الحاكم المتغلب .

٢-  امتثال ما أمروا به وما نهوا عنه بالمعروف 
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " عليكَ السّمْعُ والطّاعَة في عُسْركَ ويُسْركَ . ومَنْشَطكَ ومَكْرَهكَ . وأثرة عليكَ " أخرجه مسلم 
ولو أخذ ولي الأمر حقك ثبت في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تسمعُ وتطيع للأميرِ ، وإن ضَرَب ظهرَك وأخذ مالَك ، فاسمعْ وأطعْ " أخرجه مسلم 
وليس في ذلك ضعف أو خور كما يزعم بعضهم بل هو اتباع لسنة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقد قال له رجل : يا نبيَّ اللهِ ! أرأيتَ إن قامت علينا أمراءُ يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا ، فما تأمرنا ؟ فقال :"  اسمَعوا وأطيعوا . فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم " أخرجه مسلم 
ويسمع ويطاع ولي الأمر ولو كان عاصياً فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : قُلنا : يا رسولَ اللَّهِ لا نسألُكَ عَن طاعةِ مَن اتَّقَى ، ولَكِن مَن فعلَ وفعلَ ، فذَكَرَ الشَّرَّ فقالَ : "  اتَّقوا اللَّهَ واسمَعوا وأَطيعوا " أخرجه الطبراني وصححه الألباني  
والواجب في مثل هذه الأمور الصبر وتقوى الله عز وجل ، وعدم نشر الفتن في البلاد وبين العباد .

٣- الدعاء لهم بالصلاح والتوفيق .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " خِيارُ أئمَّتِكم الذين تحبونهم و يُحِبونَكم ، و تُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم ... " أخرجه مسلم 
بل من علامات اتباع الرجل للسنة دعاؤه لولي الأمر لا الدعاء عليهم كما يفعله بعض الجهلة 
قال أحد العلماء القدامى  - رحمه الله - : 
وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى ، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة -إنْ شَاءَ اللهُ- . ثم قال: "فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح ، ولم نؤمر أن ندعو عليهم وإن جاروا وظلموا ، لأنَّ جورهم وظلمهم على أنفسهم ، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين .

٤- نشر محاسنهم في الرعية ؛ لأن ذلك يؤدي إلى محبة الناس لهم، وإذا أحبهم الناس سهل انقيادهم لأوامرهم ،و الستر معايبهم مهما أمكن ؛ لما في ذلك من ملئ القلوب غيظاً وحقداً وحنقاً على ولاة الأمور. 
ولا يعني الستر عن معايبهم عدم النصيحة لهم بل النصيحة واجبة لمن قدر عليها ، وأن تكون سراً لا علانية في المنابر أو المجالس أو مواقع التواصل الاجتماعي ؛ فإن ذلك يجعل النصيحة فضيحة ويجر الشر والفتن في المجتمع ، وقد ثبت في السنة : " مَن أرادَ أن ينصحَ لذي سلطانٍ في أمرٍ فلا يُبدِهِ عَلانيةً ولَكِن ليأخذْ بيدِهِ فيَخلوَ بهِ فإن قبِلَ منهُ فذاكَ وإلَّا كانَ قد أدَّى الَّذي علَيهِ لَهُ " أخرجه أحمد وصححه الألباني

٥- عدم الخروج عليهم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأى من أميرِه شيئًا يكرهُه فليصبر عليه فإنَّهُ من فارقَ الجماعةَ شبرًا فمات ، إلا مات ميتةَ جاهليةٍ " أخرجه البخاري 
ومما يسبب الخروج منابذة السلطان سبهم ونشر معايبهم في المجالس وهذا مخالف لهدي الصحابة رضي الله عنهم قال أنس : "  كان  الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهونا عن سب الأمراء " [ السنن الواردة للداني ] 
وللأسف هناك من الناس من يبايع ولي الأمر على الدنيا ، وهذا الصنف هذا منهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "  ثلاثةٌ لا يكلمُهم اللهُ يوم القيامةِ ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ - وذكر منهم -  ورجلٌ بايع إمامًا لا يبايعُه إلا لدنياه ، إن أعطاه ما يريدُ وفى له وإلا لم يفِ له " أخرجه البخاري 
ومن هذا الباب سمي من يخرج على ولي الأمر المسلم بإنه على مذهب الخوراج فهم عرفوا بذلك ونشروا في الأمة الفتن والمحن من صدر الإسلام جاء في الحديث  :"  كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عِراضهم الدجال "  رواه ابن ماجة ، و حسنه الألباني 
 وفكر التكفير والخروج انبثق من تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في هذا العصر فخرجت فرق 
كالقاعدة والنصرة والداعش  ، ومهما اختلفت أسمائهم وأشكالهم فكلهم يجتمعون على التكفير والخروج على ولاة الأمر المسلمين .
والله أعلم 

السبت، 7 فبراير 2015

مع كتاب ربنا تعالى ..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه

أما بعد :

فإنَّ الله عز وجل  قد أنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم معجزةً باهرة وباقية إلى قيامة الساعة ، وهو مصدر سعادتنا وعزنا وقوتنا وفخرنا، هو حبل الله المتين ، و هو الذكر الحكيم ، و هو الصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تشبع منه العلماء وحار بفصاحته البلغاء ، ومن قال به صدق و من حكم به عدل و من عمل به أجر ، إنه كتاب ربنا تعالى القرآن الكريم .

ثبت في السنة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كتاب الله، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض " أخرجه أحمد وصححه الألباني

قد وصفه الله تعالى القرآن بأوصاف كثيرة، تدل على عظمته وبركته وتأثيره وشموله قال الله تعالى: " وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" وقال : " وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ " وقال سبحانه : " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ " وقال تعالى : " لوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " وقال تعالى: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ "  .

والأمر إذا تعددت أوصافه دل على عظمته فالقرآن عظيم ، فمن حفظه وتمسك به رفعه الله في الدنيا والآخرة ، فعن عمرَ بن الخطابِ رضي اللَّه عنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: "إِنَّ اللَّه يرفَعُ بِهذَا الكتاب أَقواماً ويضَعُ بِهِ آخَرين"رواه مسلم.

وقد حمى الله تعالى هذا القرآن العظيم من التغيير والزيادة والنقص والتبديل ، حيث تكفل عز وجل بحفظه فقال :" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"،  وهذا بخالف الكتب السابقة فقد كان حفظها موكولاً للعلماء ، أما القرآن فقد تكفل الله بحفظه ؛ لذلك مضت القرون الكثيرة ولم يحاول أحد من أعدائه أن يغير فيه ، أو يزيد ، أو ينقص ، أو يبدل ، إلا هتك الله ستره ، وفضح أمره  .

 

والقرآن الكريم مصدر أصيل للشريعة كما قال تعالى : " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً " والسنة النبوية أيضا مصدر للشريعة كما قرر ذلك كتاب الله تعالى " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا "

 

وجاءت أحاديث كثيرة تبين فضل القرآن الكريم منها ما يأتي :

1ـ عن أَبي أُمامَةَ رضي اللَّه عنهُ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: "اقْرَؤُا القُرْآنَ فإِنَّهُ يَأْتي يَوْم القيامةِ شَفِيعاً لأصْحابِهِ"رواه مسلم.

2ـ عن عثمانَ بن عفانَ رضيَ اللَّه عنهُ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "خَيركُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعلَّمهُ" رواه البخاري.

3ـ عن عائشة رضي اللَّه عنها قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "الَّذِي يَقرَأُ القُرْآنَ وَهُو ماهِرٌ بِهِ معَ السَّفَرةِ الكرَامِ البررَةِ، والذي يقرَأُ القُرْآنَ ويتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُو عليهِ شَاقٌّ له أجْران"متفقٌ عليه.

4ـ عن ابن مسعودٍ رضيَ اللَّه عنهُ قالَ: قال رسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "منْ قرأَ حرْفاً مِنْ كتاب اللَّهِ فلَهُ حسنَةٌ، والحسنَةُ بِعشرِ أَمثَالِهَا لا أَقول: الم حَرفٌ، وَلكِن: أَلِفٌ حرْفٌ، ولامٌ حرْفٌ، ومِيَمٌ حرْفٌ"رواه الترمذي وصححه الألباني

 

5 ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ... و يوضع على رأسه تاج الوقار و يكسى والداه حلتين لا تقوم لهم الدنيا و ما فيها ، فيقولان : يا رب !أنى لنا هذا ؟ فيقال : بتعليم ولدكما القرآن .. " أخرجه لطبراني وصححه الألباني

في الأحاديث فضل قراءة القرآن وحفظه وتعليمه وخاصة الأولاد .

 

وللقرآن الكريم جملة من الآداب والأحكام فمن ذلك :

 

1ـ الإخلاص في القراءة ، واستشعار الأجر المترتب على القراءة ، قال الله تعالى : "  وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " .

 

2ـ التدبر أثناء القراءة  فالحكمة من إنزال القرآن فهم معانيه والعمل به ، قال الله تعالى : "  كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ " .

وينبغي لنا أن نستعين بكتب التفسير الموثوقة كتفسير ابن كثير والسعدي وغيرهما حتى نفهم القرآن كما ينبغي .

وأفضل في ختم القرآن أن لا يقرأه في أقل من ثلاث لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث " أخرجه أبو داود وصححه الألباني 

وهذا الحديث عام لا يستثنى منه الأمكنة والأزمنة الفاضلة والله أعلم 

 

3ـ الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر عند إرادة القراءة من المصحف ، جاء في الحديث : " أَن لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِر ". رَوَاهُ مَالِكٌ وصححه الألباني

أما القراءة عن ظهر قلب فجائز في الحدث الأصغر دون الأكبر، إلا الحائض والنفساء  فجائز لحصول المشقة وعدم  ثبوت نهي صريح وصحيح في ذلك كما بين ذلك أهل العلم  .

والقراءة من الهواتف جائز ولا يشترط لها الطهارة . 

4ـ التسوك عند إرادة قراءة القرآن الكريم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " طيبوا أفواهكم بالسواك فإنها طرق القرآن " صححه الألباني

5 ـ الاستعاذة عند إرادة قراءة القرآن الكريم ، قال الله تعالى : " فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " .

 

6ـ تحسين الصوت عند قراءة القرآن الكريم ، فقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : " " زَينُوا القرآنَ بأصواتِكم ". أخرجه أبوداود وصححه الألباني

 

7ـ السجود عند المرور بآية فيه سجدة ، فقد  قال ابن عمر رضي الله عنهما : "  كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعاً لجبهته " متفق عليه

وقد جاء في السنة ما يدل على فضل هذه السجدة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار" أخرجه مسلم

وصفة السجدة أن يسجد سجدة واحدة، ويكبِّر إذا سجد، ويقول في سجوده: " سبحان ربي الأعلى" أو الذكر الثابت في السنة " سجد وجهي للذي خلقه، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته " أخرجه الترمذي وصححه الألباني

 

و الواجب علينا نحو كتاب الله يكون بالأمور الآتية :

 

أولا : الذبّ عنه، بأن يذب الإنسان عنه تحريف المبطلين، ويبيّن بطلان تحريف من حرّف.

ثانيا : تصديق خبره تصديقاً جازماً لا مرية فيه.

ثالثا : امتثال أوامره و اجتناب نواهيه .

رابعا : أن تؤمن بأن ما تضمنه من الأحكام هو خير الأحكام، وأنه لا حكم أحسن من أحكام القرآن الكريم.

خامسا : أن تؤمن بأن هذا القرآن كلام الله عزّ وجل حروفه ومعناه، تكلم به حقيقة، وتلقاه جبريل من الله عزّ وجل ونزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين.

 

وهناك أمور لا تشرع نحو كتاب الله تعالى وهي كالأتي :

 

1ـ تقبيل القرآن .

2ـ قول صدق الله العظيم عند الانتهاء من القراءة .

3ـ تعليق القرآن في السيارة أو آياته على الجدران للزينة أو الحفظ .

4ـ تخصيص قراءة القرآن بالمناسبات أو العزاء .

فكل ذلك مخالف لهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم ، ونحن مأمورون بالاتباع لا الإبتداع

وختاما : ينبغي لنا أن نحرص على هذا الكتاب العظيم ، وأن نعمر أوقاتنا بتلاوته وحفظه والتدبر في معانيه والعمل به فهو عزنا وفخرنا ، وبذلك سار سلفنا الصالح فسادوا وفازوا وضربوا أروع الأمثلة في الحرص عليه و على تلاوته أناء الليل وأطراف النهار ، فهذا ابن إدريس ـ وهو أحد العلماء ـ لما حضرته الوفاة بَكَتْ بِنْتُهُ.

فَقَالَ: لاَ تَبْكِي يَا بُنَيَّة، فَقَدْ خَتَمْتُ القُرْآنَ فِي هَذَا البَيْتِ أَرْبَعَةَ آلاَفِ ختمَةٍ . 

[ السير : 9 / 44 ]

فهذا حالهم وما نقول عن حالنا وقد ألهتنا هواتفنا عن كتاب ربنا تعالى ، والله المستعان

 

الاثنين، 2 فبراير 2015

خمس وقفات مع الصلاة ..

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : 

فمن باب قول الله تعالى : " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين " أحبُّ أن أذكر نفسي أولا وإخواني ثانيا بهذه الوقفات التي تدور حول الركن الثاني في الإسلام - الصلاة - فأقول وبالله التوفيق :

الوقفة الأولى : أهمية الصلاة ومكانتها . 

 إنَّ الصلاة عمود الإسلام ، وركن عظيم من أركانه كما ثبت في السنة المطهرة ، وقد ذكر الله الصلاة في القرآن في مواضع كثيرة وكثيرة جداً ، وقد كانت مشروعة في الشرائع السابقة فهذا إبراهيم عليه السلام يقول : " رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء " .  وقال الله لموسى عليه السلام " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " .
وغير ذلك كثير 
 
ومما يدل على منزلة الصلاة ومكانتها في الإسلام ما جاء في قصة الإسراء والمعراج في كيفية فرض الصلاة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فعن أنسُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهما : قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : " ففرض اللهُ عليَّ خمسينَ صلاةً ، فرجعتُ بذلك ، حتى أَمُرَّ بموسى ، فقال موسى : ما الذي فَرَضَ على أُمَّتِكَ ؟ قلتُ : فَرَضَ عليهم خمسينَ صلاةً ، قال : فراجِعْ ربكَ ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تطيقُ ذلك ، فرجعتُ فراجعتُ ربي فوضعَ شطرها ، فرجعتُ إلى موسى ، فقال : راجِعْ ربكَ ، فذكر مثلَهُ فوضعَ شطرها ، فرجعتُ إلى موسى فأخبرتُهُ فقال : راجِعْ ربكَ ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تطيقُ ذلك ، فرجعتُ فراجعتُ ربي ، فقال : هي خمسٌ وهي خمسونَ ، لا يُبَدَّلُ القولُ لديَّ  "  أخرجه البخاري
 
في الحديث دلالة واضحة بينة على أهمية الصلاة ومكانتها عند الله تعالى حيثُ إنَّ كل الشرائع والفرائض نزل حكمها على نبينا صلى الله عليه وسلم وهو في الأرض إلا الصلاة ففُرضت في السماوات العلا  .
ومن فضل الله علينا أنه خففها علينا إلى خمس صلوات بأجر خمسين صلاة  ما أعظم الله ! وأكرمه على عباده! ،  ويا سبحان الله كيف يُقصر في أداء هذه الصلوات وهذا فضلها ولا تأخذ منك في يومك وليلتك أكثر من ساعة ؟!

وقد جاءت نصوص كثيرة بالتحذير من تركها 
والتهاون فيها ودونكم طرفا منها : 
١- قال الله تعالى :"  ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين" .
فمن أسباب دخولهم النار ترك الصلاة .
٢- قال الله تعالى : " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " وقال سبحانه : " فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون  " .
في الآيتين : بيان لخطر التهاون بالصلاة بالعداب الشديد والويل بتأخير وقتها والغفلة عنها فكيف بمن تركها بالكلية ؟! لا شك أنَّ العذاب أشد وأنكى - والعياذ بالله - 
٣- قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر " أخرجه الترمذي وصححه الألباني 
٤- قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : " 
" بين الرجلِ وبين الشركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ   " أخرجه مسلم 
٥ - قال النبي صلى الله عليه وسلم : " العَهدُ الذي بَينَنا وبَينَهُم الصلاةُ، فمن تَرَكَها فَقَد كَفَرَ  " أخرجه الترمذي وصححه الألباني
في الحديثين : بيان خطورة ترك الصلاة ؛ لذا ذهب بعض أهل العلم على كفر تارك الصلاة ولو تكاسلاً  ، بل  قال  أهل العلم : إنَّ ترك الصلاة أشد إثما من القتل والزنا وشرب الخمر 
فالصلاة شأنها في ديننا عظيم فليحاسب المسلم نفسه وليؤدي ما فرض الله عليه وليبشر بالخير والجزاء الغظيم . 

وليُعلم أن الصلاة كانت من آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فعن أنس رضي الله عنه قال : " كانت عامَّةُ وصيةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم حينَ حضَرَتْه الوفاةُ، وهو يُغَرْغِرُ بنفسِه :الصلاةَ وما ملكَتْ أيمانُكم " أخرجه أحمد وصححه الألباني 
فلنحافظ على وصية رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم نسعد بإذن الله تعالى 


الوقفة الثانية : فضائل وثمرات الصلاة .

للصلاة ثمرات وفضائل كثيرة وسأختصر الكلام في خمس نقاط :
١- سبب لتكفير السيئات والآثام ورفع الدرجات 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرأيتم لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم يغتسلُ منهُ كل يومٍ خمسَ مراتٍ . هل يَبقى من درنِه شيٌء ؟ قالوا : لا يَبقى من درنِه شيٌء . قال فذلك مثلُ الصلواتِ الخمسِ . يمحو اللهُ بهنَّ الخطايا " أخرجه البخاري ومسلم 
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ المسلمَ يصلي وخطاياه مرفوعةٌ على رأسِه كلما سجد تحاتَّ عنه فيفرغُ من صلاتِه وقد تحاتَّتْ عنه خطاياه " أخرجه الطبراني وصححه الألباني 
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما مِن عبدٍ يسجدُ للَّهِ سَجدةً إلَّا كتبَ اللَّهُ لَهُ بِها حسنةً ، ومحا عنهُ بِها سيِّئةً ، ورفعَ لَهُ بِها درجةً ، فاستَكْثروا منَ السُّجودِ " أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني 

٢- الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .

قال الله تعالى : " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  " 
فالذي يصلى على الوجه الذي أمره الله بأداء أركانها وشروطها ومستحباتها فإنه سيزيد إيمانه ،  وبذلك سيمتنع عن المعاصي والآثام 
فعلينا أن نؤدي الصلاة كما ينبغي حتى نظفر بهذه الثمرة ، ولو قصر وعصى فإنَّ الصلاة أكبر واعظ للإنسان ولو بعد حين . 
فقد جاءَ رجلٌ إلى النَّبي - صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ - فقالَ : إنَّ فُلانًا يصلِّي باللَّيلِ فإذا أصبحَ سرقَ ، فقالَ : " إنَّهُ سينْهاهُ ما تقولُ " أخرجه أحمد وصححه الألباني 

٣- الصلاة نور وراحة 

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " والصلاة نور "  أخرجه مسلم 
نور بالقلب والوجه والقبر والحشر 
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : " يا بلالُ ! أَقِمِ الصلاةَ ، أَرِحْنا بها " أخرجه أبو داود وصححه الألباني 
إن كنت تريد الراحة والسعادة والنور فعليك بالصلاة  ؛ فإنَّ نصيبك من ذلك بقدر محافظتك على صلاتك .

٤- الصلاة معونة على جميع الأمور 

قال الله تعالى : " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " .
وقال سبحانه : " أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " .

٥- رؤية الله في الآخرة .

إن رؤية الله في الآخرة أعظم نعيم يناله أهل الجنة ، ومن أعظم أسباب رؤية الله المحافظة على الصلاة ، فمن كان من أهلها فهو حري بهذا الفضل العظيم ، ومن كان مضيعاً لها فهو حري بالخسران .
فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنا عِندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنظر إلى القمرِ ليلةً - يعني البَدْرَ - فقال : "  إنكم ستَرَونَ رَبَّكُم، كما ترَونَ هذا القمرَ، لا تُضامُّونَ في رؤيتِهِ، فإنِ استَطَعتُم أنْ لا تُغلبوا علَى صلاةٍ قبل طُلوعِ الشمسِ وقبل غُروبِها فافعَلوا . ثم قرأ : " وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ"  .  أخرجه البخاري ومسلم 
والمراد :  صلاة الفجر وصلاة العصر .


الوقفة الثالثة : الخشوع في الصلاة .

قال الله تعالى : " قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * " 
فالفلاح مترتب على الخشوع في الصلاة ، وحضور القلب فيها فهو لب الصلاة وروحها ،
وأجمع أهل العلم أنه ليس له من صلاته إلا ما عقل فيها ، وإن كانت مجزئة عنه .
وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم : " 
 إنَّ العبدَ لَيصلِّي الصَّلاةَ ما يُكتُبُ لَهُ منْها إلَّا عُشرُها، تُسعُها، ثمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خمسُها، ربعُها، ثلثُها نصفُها " أخرجه أبو داود وحسنه الألباني 

ثم إنَّ هناك أموراً تعين على الخشوع منها :
١- استحضار عظمة الله سبحانه ، وأنك تناجي ربك في صلاتك ، قال صلى الله عليه وسلم " إذا كان في الصلاةِ فإنه يُناجي ربَّه ... " أخرجه البخاري 
٢-  أنك تستشعر أنها آخر صلاة لك .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع " أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني 
٣-  إدراك قيمة الصلاة وأهميتها وأنها ركن من أركان الإسلام .
٤- إدارك فضائل الصلاة و الثمرات المترتبة على الخشوع فيها .
٥- أن يستشعر المصلى أنه في جهاد مع الشيطان ؛ لذا يشرع له الاستعاذة أول الصلاة  ، وليحرص على معرفة معناها .

الوقفة الرابعة : أمر الأهل والأولاد بالصلاة . 

قد قال الله تعالى : "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " .
في الآية أمر وحث بالعناية بالأهل ومن تحت يده بالصلاة والحرص على ذلك  .
وللأسف من هناك من يصلي ويحرص على الصلاة ويغفل عن أولاده ، وهذا خطأ كبير وإثم مبين ، وإذا فسد أولادك وأصبحوا عاقين لك فلا تلوم إلا نفسك ؛ لأنَّ الصلاة لها أثر عظيم وكبير في تهذيب الأخلاق والنفس .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " مُروا أولادكُم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ ، واضربوهُم عليها وهم أبناء عشرٍ  " أخرجه أحمد وصححه الألباني 

وهنا أنبه على أمر إذا بلغ الطفل سبع سنين يؤمر بالصلاة أمر دلالة ورفق ولطف من غير 
شدة وعنف بل ترغيب لا ترهيب ، وتذكر له مثلا أن الصلاة سبب لدخول الجنة ، فإذا بلغ العاشرة هنا يبدأ الترهيب والتهديد  ، وهذا الأمر واجب عليك اتجاه أولادك . 


الوقفة الخامسة : الطمأنينة في الصلاة 

يخل بعض المصلين بركن من أركان الصلاة وهو الطمأنينة وخاصة في الركوع والسحود 
وقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "  إنَّ أسوأَ النَّاسِ سرقةً الَّذي يسرقُ من صلاتِهِ "  قالوا :  يا رسولَ اللَّهِ وكيفَ يسرقُ من صلاتِهِ ؟  قالَ : " لا يتمُّ ركوعَها ولا سجودَها " أخرجه أحمد وصححه الألباني
وقال صلى الله عليه وسلم : "  لا يَنظرُ اللَّهُ إلى صلاةِ عبدٍ لا يقيمُ فيها صلبَهُ بينَ رُكوعِها وسجودِها " أخرجه أحمد وصححه الألباني 
وعلى هذا ينبغي لنا أن نطمأن في صلاتنا وركوعنا وسجودنا حتى تكون صحيحة مقبولة عند الله تعالى ، فنحن خرجنا من بيوتنا وذهبنا إلى المساجد لنؤدي هذا الفرض فلنحرص على التمام وعدم العجلة حتى لا يضيع عملنا سدى 
والله أعلم 

وتم المقصود