الحمد لله كثيراً ، والصلاة والسلام على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه .
وبعد :
فقد ثبت أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ اطَّلع على أبِي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُما ، وهو يمدُّ لسانَه فقال : ما تصنعُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ ؟ فقال : هذا أوردَني المواردَ . إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: " ليس شيءٌ من الجسدِ إلا يشكو إلى اللهِ الِّلسانَ على حِدَّتِه " .
صححه الألباني كما في الصحيحة
وثبت عن عبد اللهِ بن مسعود رضيَ اللهُ عنهُ أنه لبَّى على الصَّفا ثم قال : يا لسانُ قُلْ خيرًا تغنَمْ اسكُتْ تسلمْ من قبل أن تندَمْ قالوا : يا أبا عبدِ الرَّحمنِ هذا شيءٌ أنت تقولُه أم سمعتَه قال لا بل سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول : " أكثرُ خطايا ابنِ آدمَ في لسانِه "
أخرجه الطبراني وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة .
في هذين الأثرين بيانٌ لأمر مهمٍ سار عليه سلفنا الصالح فارتقوا في المنازل العالية والدرجات الرفيعة وأصبحوا قدوة لمن بعدهم في الخير والفضل ، ويوضح ما في الأثرين قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
"حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا ، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا ... " أخرجه الإمام أحمد في الزهد
فمن المسائل المهمة في حياة المسلم لتستقيم له دنياه ، ويمضي في طريق الآخرة بشكل صحيحٍ سليمٍ محاسبته لنفسه بين فترةٍ وأخرى
لتنتظم له الأمور ولا تضطرب وتختلف .
إذا كان التجار يحسبون أموالهم ويعرفون مالهم وما عليهم نهاية كل عام ، فكيف لا تُحاسب النفس هل قصرت أم أحسنت في طاعة الله ؟
وقد قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " .
وما أجمل قول المفسر الشيخ السعدي - رحمه الله - مفسرا هذه الآية :
وهذه الآية الكريمة أصلٌ في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة.
والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا، لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون . انتهى كلامه رحمه الله كما في تفسيره
إنَّ هذا المبدأ العظيم - وهو محاسبة النفس - غاب عن كثير من الناس ، فأصبحوا يتخبطون يمينا وشمالا فأضاعوا دنياهم وخسروا آخرتهم
فكم من إنسان مقصرٌ في صلاته ولا يحاسب نفسه !
كم من إنسان مقصر في عمله و وظيفته ولا يحاسب نفسه !
كم من إنسان يتخبط في المعاصي والآثام من زنا وربا وخمر ومخدرات ومسكرات ولا يحاسب نفسه بل أصبحت عادة له فألفها وألفته - والعياذ بالله -
كم من إنسان أضاع ماله في التفاهات والملهيات وأصبح غارقاً في الديون ولم يتألم أو يحاسب نفسه يوما ما !
إنَّ محاسبة النفس من أعظم أسباب تزكية النفوس قال الله تعالى : " قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها "
زكاها بالطاعة وترك المحظور ، ودساها بالمعاصي والآثام وترك المأمور .
أيها الأخ الكريم :
إنَّ في مرور الأيام والشهور ، وتقلب الليل والنهار ، عبرةً وتذكرةً لأولي الأبصار ، وذكرى لأولي الألباب فما هذه الدنيا إلا أياما معدودة وساعات محدودة ، وما هي إلا خطوات نمضي بها إلى الدار الآخرة .
قال تعالى : " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "
وقال سبحانه : " يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار "
إنَّا لنفرح بالأيام نقطعها .. وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً .. فإنما الربح والخسران بالعمل
ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ : شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ "
أخرجه الحاكم وصححه الألباني
أيها الأخ الكريم :
إننا لا نذكر الموت لننغص حياتك ، وإنما لتغتنمها بما ينفعك في حياتك وآخرتك ، فإنَّك
إذا رأيت أناسا أمورهم مستقرة وأحوالهم مستقيمة اعلم أنهم ممن يحاسبون أنفسهم بين فترة وأخرى ، فهؤلاء العقلاء بحق الذين اغتنموا الدنيا بالأعمال الصالحة وترتيب مصالح حياتهم ، ويصدق فيهم قول رسولنا صلى الله عليه وسلم : " إذا سرَّتك حسنتُك ، و ساءتْك سيئتُك فأنت مؤمنٌ " أخرجه أحمد وصححه الألباني
إنَّ مجالات محاسبة النفس تكون في الأحوال الآتية :
١- في علاقتك مع ربك عز وجل
٢- في علاقتك مع والديك وأسرتك
٣- في علاقتك مع إخوانك وأخواتك وأرحامك
٤- في علاقتك مع أصدقائك وأصحابك
٥- في عملك وشؤون حياتك .
٦- في مأكلك ومشربك
وليعلم أنَّ هناك أسباب تعين على محاسبة النفس فمن ذلك :
١- أن من حاسب نفسه كان سببا لسلوك طريق الجنة ، والبعد عن طريق النار .
٢- التأمل في حال سلف الأمة كيف كانوا يحاسبون أنفسهم وهم أهل التقوى والخوف من الله ، فكيف يغفل عنها من جاء بعدهم ؟!
٣- صحبة الأخيار .
٤- أن تقارن بين نعمة الله عليك وبين أفعالك ، ولا شك أنك ستجد نفسك مقصر في جنب الله تعالى .
٥- أن تقارن بين حسناتك وسيئاتك ، ولاشك أنَّ ابن آدم خطاء مقصر ومن هنا ستدرك أهمية محاسبة النفس .
٦- أن يدرك أنَّ محاسبة النفس سبب لعدم فوات الخير عنه وقت الجد والعمل .
٧- أن يدرك أن من حاسب نفسه في الدنيا سيكون في الآخرة حسابه يسيرا بإذن الله تعالى .
٨- الدعاء فإنهم مفتاح كل خير
٩- حضور مجالس العلم والذكر ، فإنها تعين على محاسبة النفس .
وأختم بثمرة محاسبة النفس وتظهر بأمرين :
أولاً : هي سبب عظيم للتوبة والندم على مافات ، وإرجاع الحقوق لأهلها .
ثانياً : أنها سبب لانضباط حال المرء في شؤون حياته .
تم المقصود