الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

لا تغضب ..

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

 وبعد :

فمن صفات المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في كتابه العظيم [كظم الغيظ ]

قال الله تعالى : "  وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  "

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : " إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه، وعَفَوْا مع ذلك عمن أساء إليهم "من تفسيره ( 2 / 119 )

وثبت في السنة النبوية المطهرة التحذير من صفة الغضب ، وهذا يدل على كمال شريعتنا الغراء فما من شرٍّ إلا وحذرت الأمة منه وما من خيرٍ إلا وحثت الأمة عليه ، واليوم الدراسات الطبية تُثبت خطورة الغضب وأنه سبب لأمراض كثيرة كالضغط ونحوه ، ولم يدرك بعضهم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من صفة الغضب منذ صدر الإسلام

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: " لاَ تَغْضَبْ " فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: " لاَ تَغْضَبْ "

أخرجه البخاري

وجاء في حديث آخر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ: " لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّةُ "

أخرجه الطبراني في الأوسط وصححه الألباني كما في صحيح الترغيب

وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ "

أخرجه البخاري ومسلم

 

ومما يُستفاد من هذه الأحاديث :

أولا  : أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير ، فهو يجر إلى تقاطع الأرحام وتفكك الأُسر، بل رُّبما أدى إلى التقاتل وسفك الدماء ، فهو مفتاح كل شر ومجاهدة النفس لتركه جمعٌ لخيري الدنيا والآخرة  ، وقد جاء في بعض روايات الحديث عندما قال له النبي صلى الله عليه وسلم " لَا تَغْضَبْ " قالَ : الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ . أخرجها الإمام أحمد وصححها الألباني كما في صحيح الترغيب

 

 

ثانيا : الغضب من طبيعة البشر و المراد  هو النهي عن الأسباب التي توصل إليه، وعدم الأخذ بها، وكذلك الآثار التي تترتب عليه .

 

ثالثا : الغضب المذموم ما كان لأمور الدنيا أما الغضب لدين الله فهو أمر محمود ، فعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ:" مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّه "

 أخرجه البخاري

 

 

رابعا : حرص الصحابة رضي الله عنهم على ما ينفع وعلى كل خير يفيدهم في دينهم ودنياهم .

 

ثم إن هناك أموراً ثبتت في السنة النبوية المطهرة من عمل بها زال عنه الغضب بإذن الله تعالى ودونكم هذه الأمور :

أولا : الاستعاذة بالله من الشيطان

عن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رضي الله عنه قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ ، وَأَحَدَهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا ، لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ ، لَوْ قَالَ أَعُوذ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم ".

أخرجه البخاري ومسلم

ثانيا : السكون

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا: " إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ " أخرجه أبو داود وصححه الألباني

قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : " قد قيل : إنَّ المعنى في هذا أنَّ القائم متهيِّئ، للانتقام والجالس دونَه في ذلك ، والمضطجع أبعدُ عنه ، فأمره بالتباعد عن حالةِ الانتقام "  جامع العلوم والحكم ص : 146

 

 

ثالثا : السكوت

قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ "  أخرجه أحمد وصححه الألباني كما في الصحيحة

قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : " وهذا أيضاً دواء عظيم للغضب ؛ لأنَّ الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليهِ في حال زوال غضبه كثيراً من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه " جامع العلوم والحكم ص : 146

 

رابعا : احتساب الأجر والفضل الذي أعده الله لمن ترك الغضب

وكما جاء في الحديث السابق : " لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّةُ "

عنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ "

 أخرجه أبو داود وحسنه الألباني

 

خامسا : الدعاء

فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام : " وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا " أخرجه البزار وصححه الألباني

قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : " وهذا عزيز جداً ، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي ، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول  "

 جامع العلوم والحكم ص :148

 

سادسا : التأسي بهدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وخلقه الكريم

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَة، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ " أخرجه البخاري

 

 

عن أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلَّا صَنَعْتَ " أخرجه البخاري

 

تأمل أخي المسلم هدي وخُلق الرسول عليه الصلاة والسلام في تعامله مع الناس  ، وتذكّر دائماً وأبداً قول الله تبارك وتعالى : "  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " .

 

هذا والله أعلم

....................................

المراجع :

 تفسير ابن كثير ـ فتح الباري ـ جامع العلوم والحكم ـ شرح الأربعين النووية لابن عثيمين والعباد

هناك تعليق واحد:

  1. جزاك الله خيرا على المقال الطيب،، ونفع الله بك المسلمين،،
    "يجر إلى تقاطع الأرحام وتفكك الأُسر، بل رُّبما أدى إلى التقاتل وسفك الدماء " نسأل الله السلامة والعافية،،

    ردحذف